تحليلات

التغييرات في المشهد الأمني لنظام الأسد السياق والأهداف والانعكاسات

مقدمة:

على الرغم من اعتيادية الاستحقاق الإداري المتمثل بالنشرة العسكرية التي تصدرها “القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة ” ممثلة برأس النظام السوري بشار الأسد بصفته “القائد العام للجيش والقوات المسلحة” في الشهر الأول والشهر السابع من كل سنة والتي تتضمن الترقيات والتسريحات وملاحق بالتنقلات ضمن مؤسستي الجيش والأمن، فإن التغيرات في المشهد الأمني التي انطلت عليها النشرة الأخيرة الصادرة بتاريخ … وما رافقها من قرارات وتحركات قد لا تكون اعتيادية، فقد التقى رأس النظام يوم 25 كانون الثاني/يناير 2024 عقب صدور النشرة بقادة الأجهزة الأمنية في مشهد غير مألوف، راسماً على ما يبدو سياسات عمل أمني جديدة لعل أبرزها تحول مكتب الأمن الوطني من جهاز تنسيقي بين الأجهزة الأمنية يتبع للقصر الجمهوري إلى مؤسسة أمنية عليا تتبع لها الشُعب والإدارات الأمنية الرئيسية الأربعة (شعبة المخابرات العسكرية وإدارة المخابرات الجوية وتتبعان إدارياً لوزارة الدفاع – شعبة الأمن السياسي وتتبع إدارياً لوزارة الداخلية – إدارة أمن الدولة وتتبع إدارياً لرئاسة مجلس الوزراء) وسبق هذا الاجتماع يوم 18 كانون الثاني/يناير 2024 إزاحة اللواء علي مملوك عن رئاسة مكتب الأمني الوطني وتعيين اللواء كفاح ملحم المقرب من بشار الأسد مكانه وتعيين اللواء كمال الحسن رئيساً لشعبة الأمن العسكري خلفاً لكفاح ملحم والذي كان يشغل منصب رئيس فرع فلسطين 235 ، وكان قد سبق هذه القرارات تعيينات في رئاسة المخابرات الجوية والأمن العسكري، حيث تم في يوم 4 كانون الثاني/يناير 2024 تعيين اللواء قحطان خليل رئيسا لفرع المخابرات الجوية وتسريح اللواء غسان إسماعيل، كل ذلك وغيره لا يمكن وضعه في سياقات اعتيادية بل في إطار أعم يتضمن إعادة ضبط المشهد الطائفي مع استمرار احتجاجات السويداء ورصد عودة بسيطة ومتصعدة لاحتجاجات الساحل فضلاً عن المشهد الاقتصادي المتفاقم والأهم من ذلك كله إعادة التشكل للنظام في مرحلة ما بعد الحرب والتموضع ضمن اصطفافات إقليمية جديدة وتلاشٍ يبدو واضحاً للمقاربة الأممية للحل السياسي في مقابل مقاربات أمنية وحوكمية للحل ربما لا تكون معنية بالانتقال السياسي تفرض على النظام إعادة لم أدواته الأمنية وترتيب أولوياته وإعادة رسم خارطة تحالفاته كما يحاول النظام السوري توجيه رسائل وتقارير دورية للدول العربية والاتحاد الأوربي أنه ثمة تغيرات جوهرية يقوم بها لتحسين الظروف الأمنية في سورية وهو ما يقتضي أن تتقدم هذه الدول بخطوات إيجابية تجاهه، وفق ذلك يستعرض هذا التقرير أهم الدوافع التي دفعت النظام لهذه التغييرات في البنية العامة وأهم التعيينات، كما يفصل في السياقات والأهداف الداخلية والخارجية لهذه التغييرات ثم ينتهي التقرير باستعراض الانعكاسات المتوقعة لهذه التغيرات على الملف السوري وأصحاب المصلحة المحليين والإقليميين والدوليين.

أولاً: ما هي أهداف النظام من هذه التغييرات على المستوى المحلي ومستوى العلاقة مع حلفائه
يمكن استعراض مجموعة من الأهداف التي يعتقد أن النظام سيحققها من وراء التغييرات الجديدة:
• تحويل مكتب الأمن الوطني من مكتب تنسيق بين الفروع الأمنية الأربعة إلى مكتب قيادة مركزية لباقي الشعب والإدارات والفروع الأمنية وهو ما يعني أن توجيهات بشار الأسد ستصل إلى رؤساء الفروع عبر رئيس مكتب الأمن الوطني وليس بالطريقة المباشرة المعتادة.
• الحد من قدرة حلفاء النظام على التحكم بالفروع الأمنية واختراقها؛ والتأثير من خلالها على النظام وضبط بوابة تدخل الحلفاء وحصرها من خلال رأس الهرم المسيطر على كافة الفروع الأمنية.
• الحد من صراع الأجهزة والفروع مع بعضها وإخضاعها لقيادة مركزية تسيطر وتتحكم بها من خلال توجيهات رأس النظام؛
• يدرك النظام السوري أن سر قوته واستدامة وجوده تكمن في دوره الأمني على المستوى الإقليم والداخل لذلك يعمل على تعزيز السيطرة على أوراقه وإعادة رسم استراتيجيته الأمنية من جديد من أجل تحقيق فاعلية أكبر.
• كما يحاول النظام من خلال التكيف الشكلي الذي يحدقه ضمن مؤسساته الأمنية والحكومية من خلال تغيير الأشخاص والأنظمة والبنية إقناع الدول الغربية والعربية بالانفتاح عليه استجابة للخطوات الإيجابية التي يقوم بها

ثانياً: أهم التغييرات التي قام بها النظام في المنظومة الأمنية من حيث الهيكلية والتعيينات
تناقش هذه الفقرة أهم التغييرات الهيكلية على البنية الأمنية بإطارها العام ثم تتناول أهم خلفيات الشخصيات الأمنية التي طالتها التعيينات:
• أولا: في الإطار العام للبنية الأمنية
1) دور مكتب الأمن الوطني في البنية الأمنية
تشكل مكتب الأمن الوطني كوريث عن مكتب الأمن القومي الذي تم إلغاؤه بعد إلغاء القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي التي يتبع لها، ضمن عدة سياقات أمنية وسياسية جديدة انتقلت إليها القضية السورية فقد شكل انتقال البلاد إلى حالة الحرب بإعلان ذلك من قبل بشار الأسد بداية حزيران 2012 ثم تفجير خلية الأزمة في النصف الثاني من تموز من نفس العام وما واكبه وسبقه من عدم اكتراث النظام بعمقه العربي ودخول إيران كلاعب أساسي في الصراع وتفردها تقريباً بإدارة المشهد الأمني في البلاد عبر حلفائها في الفرقة الرابعة والمخابرات الجوية بشكل أساسي نقطة تحول بارزة في إدارة المشهد الأمني الداخلي والسياسي الخارجي وربما الأمني الخارجي أيضاً، فقد تم تشكيل مكتب الأمن الوطني كجهاز تنسيقي بين الأفرع الأمنية يستكمل عمل خلية الأزمة في جانبها الأمني من حيث تنسيق الجهود وتبادل المعلومات بين الأفرع الأمنية على عكس السياسة السابقة التي اتبعها النظام السوري إبان الثمانينات والتي استهدفت قطع خطوط التنسيق والتعاون بين الإدارات والشعب الأمنية وربط كل منها بخيوط مفردة مع القصر مما منح حافظ الأسد قدرة على التسيد وتعزيز التنافس والتناقض فيما بينها وقد تم فرض سياسات تنسيق جديدة بين الفروع من خلال مكتب الأمن الوطني تتعلق بمركزية الوقائع المتعلقة بالمعتقلين والمفقودين في مكتب الأمن الوطني وتبادل المعلومات والمعتقلين بين الأفرع من خلاله ومحاولة رسم خطوط عامة للعمل الأمني في البلاد وصولاً إلى إطلاق مشروع الغدير الذي يهدف إلى أتمتة التنسيق الأمني وتوحيد قواعد البيانات الأمنية.
2) التحول من دور التنسيق إلى القيادة الأمنية المركزية
تحول مكتب الأمن الوطني إلى إدارة أمنية مركزية قائمة بذاتها تتبع للقصر الجمهوري ويتبع لها تقنياً وعملياتياً كل الشعب والإدارات الأمنية الأربعة وتتلقى تعليماتها منها وهو أهم ما تمخض عنه اجتماع لم يتجاوز ال20 دقيقة جمع رأس النظام بشار الأسد بقادة الأجهزة الأمنية في مناطق سيطرته وحضره رئيس مكتب الأمني الوطني اللواء كفاح ملحم وبغياب للمستشار الأمني لبشار الأسد اللواء علي مملوك ومن نافل القول الإشارة إلى التغييرات ضمن شعبة الأمن العسكري التي سبقت التعيينات والتغيير في البنية العامة وأهمها دمج الفرع 216 دوريات بفرع منطقة دمشق وريفها 227 والتي تصب جميعاً وتغييرات أخرى متوقعة في إطار ترشيق المنظومة الأمنية وتحسين أدائها في بيئتها الجديدة وهي تغييرات لا تنفصل عن التوجه العام للنظام لتغيير المشهد الأمني العام له حتى على صعيد المؤسسات المرتبطة بالسياسات الأمنية بصورة لصيقة كمحكمة الميدان العسكرية التي تم إلغاؤها منتصف العام الماضي أو حتى ضمن بنية القوانين والمراسيم الأمنية التي يتوقع تعديل أو إلغاء عدد منها.
• ثانياً: في خلفيات أهم الشخصيات الأمنية في هذه التعيينات وأدوارهما السابقة والقادمة

1) اللواء علي مملوك
أسندت مهمة إدارة مكتب الأمن الوطني عند تشكيله للّواء علي مملوك (تولد دمشق 1950) القادم من إدارة أمن الدولة وهو شخصية متمرسة في الإدارة الأمنية والمرتبط اسمه كخريج لكلية الحرب الكيميائية في الجيش السوري بالتجارب الكيماوية على المعتقلين الإسلاميين نهاية الثمانينات من القرن الماضي بل بالاشتباه به بكونه المدير الأمني لهذا البرنامج، فضلاً عن أدواره الأمنية الخارجية كضابط ارتباط أمني مع أجهزة المخابرات الدولية والإقليمية والتي أوجدتها بداية مكانته الرفيعة في المخابرات الجوية التي حازها بعد انخراطه كضابط أمن قاعدة المزة الجوية مطلع الثمانينات في التعامل مع المتورطين في محاولة الانقلاب التي خطط لها مجموعة من الضباط الدمشقيين آنذاك، كما يعرف عن مملوك علاقاته الواسعة مع الطبقة الاقتصادية في دمشق وحلب بشكل أساسي من خلال قسم الأمن الاقتصادي الذي كان يتبع لإدارة أمن الدولة (إدارة المخابرات العامة)، ويشكل اليوم تعيينه كنائب لرئيس النظام السوري للشؤون الأمنية فضلاً عن بلوغه سن التقاعد جائزة ترضية رمزية له وتهميشاً وتحجيماً لدوره،
2) اللواء كفاح ملحكم
يأتي تعيين اللواء كفاح ملحم من جنينة رسلان التابعة لطرطوس (تولد 1953) صهر اللواء غسان إسماعيل المسرح بموجب النشرة الجديدة من منصبه كمدير لإدارة المخابرات الجوية، كرئيس لمكتب الأمن الوطني وهو شخصية مقربة جداً من بشار الأسد وزوجته و القادم من إدارة المخابرات العسكرية وصاحب الأدوار الأمنية البارزة في الصراع السوري والمتورط أيضاً في الكثير من الانتهاكات والمدرج على لوائح العقوبات الغربية كخطوة مفصلية مكملة لإعادة تشكيل البنية الأمنية في مرحلة سياسية خارجية وداخلية جديدة وكما علي مملوك يتمتع كفاح ملحم بتاريخ أمني طويل خلال فترة الأسدين الأب والابن فقد التحق بسلاح المشاة في الجيش “السوري” بعد تخرجه من الكلية الحربية عام 1973 ثم ليتم نقله إلى المخابرات العسكرية في حمص وليقوم بأدوار أمنية مهمة في قمع حراك الإسلاميين في الثمانيات خصوصاً والنشاط المعارض عموماً بدءاً من تسلمه رئاسة فرع الأمن العسكري بمحافظة حمص عام 1982 ثم رئاسة فرع دمشق للأمن العسكري عام 1987 ثم فرع الأمن العسكري في محافظة حلب عام 1991 ثم فرع الأمن العسكري في محافظة القنيطرة عام 1996 ثم نفس الفرع في محافظة طرطوس عام 2000 ثم فرع الأمن العسكري في محافظة اللاذقية عام 2004 فمعاوناً لرئيس شعبة المخابرات العسكرية علي حيدر عام 2007 وبعد ذلك رئيساً للشعبة عينها منذ العام 2013 وحتى تعيينه أخيراً مديراً لمكتب الأمن الوطني، منحت هذه التنقلات ملحم خبرات راسخة وصلات اجتماعية وطيدة ومعرفة بالظروف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية لكبرى المحافظات السورية كما يعتقد أن ترؤسه لفرع الأمن العسكري في محافظة القنيطرة على الحدود مع “إسرائيل” لمدة 4 سنوات قد أكسبه سمعة مع القوات الدولية هناك وصلات مباشرة معها وغير مباشرة مع سلطة الاحتلال الإسرائيلي في الطرف المحتل من محافظة القنيطرة وقد باشر ملحم مجموعة من الإجراءات على الصعيد الأمني العام تضمنت بحسب الإعلامي أيمن عبد النور إعادة 56 ضابطا أمنيا رفيعا كانوا قد سرحوا في وقت سابق ليشغلوا مناصب في مكتب الأمن الوطني وأيضاً مناصب أخرى في الشعب والإدارات الأمنية التي أصبحت تابعة له ويعتقد أن ملحم سيعتمد عليهم في إحكام سيطرته على الأجهزة الأمنية كمحسوبين عليه ضمنها وفي مكتب الأمن الوطني نفسه، في الوقت نفسه وردت أخبار إنهاء ملحم لعقود أكثر من 6000 مندوب مدني داخل دوائر الدولة بغية الحد من ترهل المنظومة الأمنية ونفقاتها .
3) اللواء قحطان خليل
يأتي تعيين رأس النظام لقحطان خليل المسمى بجزار داريا رئيساً لفرع المخابرات الجوية خلفاً لغسان إسماعيل قريب كفاح ملحم والمقرب كما يعتقد من غسان إسماعيل نفسه وتعين كمال حسن القريب أيضاً من كفاح ملحم على رأس شعبة المخابرات العسكرية خلفاً له، كخطوة لتمهيد الطريق أمام كفاح ملحم للتحكم الكامل بالمنظومة الأمنية التي اخترقها حلفاء النظام التقليديين بعيداً عنه إلى حد ما خلال سني الحرب.

ثالثاً: أهم الدوافع التي تقف خلف إجراء النظام لهذه التغييرات
يمكن استعراض مجموعة من الدوافع التي يُعتقد أنها تقف وراء رغبة النظام بإجراء هذه التغييرات تتصل بالظروف والتعقيدات التي تواجه قدرة النظام على إعادة إنتاج نفسه وإعادة التشكل ما بعد الحرب ومنها:
• تأهيل الفروع الأمنية لمواجهة التحديات الاقتصادية التي يتعرض لها النظام فقد اتسعت دوائر المصالح وشبكات العلاقات الأمنية والاقتصادية خلال سنوات الحرب خارج سيطرة القصر خاصة بعد الانقسام الحاد داخل الحاضنة الرئيسية للنظام والذي أحدثه التضييق على نفوذ رامي مخلوف الاقتصادي ومحاصرة وملاحقة عدد آخر من أمراء الحرب وما تلى ذلك وارتبط به أحياناً من احتقان في الساحل السوري لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، حيث تسعى أسماء الأسد إلى إعادة ضبط المشهد الاقتصادي وتأميمه لصالح القصر بالكامل من خلال بنية أمنية متماسكة وممسوكة من قبل هيئة وقيادة موثوقة من قبلها ومن قبل زوجها بدلاً من الغرق في التناقضات وصراعات النفوذ الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وخاصة في الساحل السوري فضلاً عن تعزيز قدرة النظام على البقاء أكثر في مواجهة العقوبات الاقتصادية ولا أدل على ذلك من الأخبار التي تحدثت عن حملة جديدة تقودها أسماء للتضييق على أهم الأركان الاقتصادية للنظام من رجال الأعمال وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال بنية أمنية متماسكة.
• توجيه الفروع الأمنية لكي تسير في نهج النظام السوري نحو التكيف مع الظروف الدولية والإقليمية
تحتاج التوجهات الجديدة للنظام صوب المنطقة والعالم ومحاولاته إعادة التشكل وإنتاج نفسه إلى بنية أمنية متماسكة مستقطبة باتجاه القصر وحده ومرنة وقابلة للتكيف مع الضغوطات والاستحقاقات المستجدة وصولاً إلى إعادة اعتمادية النظام كفاعل أمني مهم في المنطقة، وفي الوقت نفسه يبدو أن النظام قد أحدث تغييراً في عقيدته الأمنية بوضع حلفائه “روسيا وإيران ” على رأس مصادر الخطر التي تهدد النظام بدلاً من الدول العربية وتركيا وإسرائيل ويعتقد النظام أن الخطر كامن في بعض الشخصيات والضباط الذين تمتنت علاقتهم بالمحور الإيراني الروسي خلال فترة الحرب .
• التخلص من الترهل والأوزان الزائدة التي تحد من سرعة الأداء والفاعلية
فرضت فترة الثورة ثم الحرب على النظام تعبئة قطاعات كبيرة من المواطنين في المنظومة الأمنية في مواجهة الانتفاضة السورية ثم اضطرارات الحرب، وهو الذي يزيد من أعباء النظام الاقتصادية ويضخم من عطالته الأمنية وقدرته على التكيف وسط تراجع الحاجة لهذا الحجم وهذا النمط من التشكل الأمني الذي لا يمكن أيضاً ضبط ارتباطاته والتحكم بنفوذه الاقتصادي والاجتماعي بعيداً عن توجهات القصر.
• تعزيز سيطرة رأس النظام على الفروع الأمنية
خلقت حالة الحرب شبكات من المصالح والمحسوبيات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بقوى متنفذة في سورية محلية ودولية وإقليمية ودولية، ويحتاج الأسد هنا إلى إعادة لم هذه الشبكات تحت عباءته جميعاً بحيث تنعدم قدرتها على ابتزازه لاحقاً تحت ذريعة أنها أمنت استمراره في السلطة في فترة الحرب ولا يستطيع الآن فرض ما يريد عليها بل بإمكانها أن تفعل ما تريد خارج حساباته ومراهناته ومثال ذلك شبكات الكبتاغون وارتباطاتها الأمنية من جهة والإيرانية عبر الميليشيا المحسوبة على إيران من جهة أخرى.

رابعاً: في أي سياق قام النظام بهذه التغييرات
يأتي التغيير في المشهد الأمني للنظام في مرحلة إعادة التشكل الداخلي ما بعد الحرب في سورية وإعادة تشكل المنطقة في مرحلة ما بعد الحرب في غزة يدرك النظام أن مرحلة التغيير وإعادة التموضع قد اقتربت وهو بذلك يسعى إلى تجنيب نفسه ودائرة قريبة منه ارتدادات الحرب لجهة تورطهم في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة فضلاً عن منح حلفائه الجدد والتقليديين بعض التطمينات عبر مجموعة من التعديلات التي ماتزال في إطار الشكلانية ولا توجد مؤشرات على جوهريتها بعد وتستعرض هذه الفقرة سياقات أساسية مرتبطة بحل القضية السورية وأيضاً بإعادة إنتاج الأسد دولياً خارج سياق القرارات الدولية ذات الصلة وبالتالي بعيداً عن اعتبار الانتقال السياسي وبما يحقق عودة النظام لمرحلة ما قبل الحرب ومحاولته وقتها إدارة التوازنات في المنطقة بما يعزز دوره والحاجة المزمنة إليه:
• سياق التطبيع العربي
تندرج خطوات النظام هذه في إطار الاستجابة للمطالبات العربية وفق مبادرة الخطوة مقابل خطوة والتي تستهدف الحد من الدور الإيراني في البلاد ومعالجة ملف المخدرات في حال حصل النظام على المقابل مع إجراء وإصلاحات أمنية وحوكمية شكلية تساعد في حل ما لمشكلة اللاجئين، وهي مطالبات يرتبط تحقيقها بإجراء تحولات أمنية تعزز من قدرة ومسؤولية النظام وحده على ضبط الحدود والنفوذ والبيئة الداخلية، ولايزال النظام معنياً بإظهار الالتزام بهذه المطالب ويستخدم سياسة العصى والجزرة فيتساهل في ضبط إنتاج ونقل الكبتاغون عبر الحدود وملاحقة شبكاته ويستمر في التعاون مع إيران وارتكاب المزيد من الانتهاكات أو عدم إحداث انفراجات حقيقية في ملف حقوق الإنسان من شأنها أن تحسن البيئة الداخلية لملاءمة عودة اللاجئين وفي نفس الوقت يقدم تقارير مستمرة للإمارات والأردن بأنه يقوم بخطوات متدرجة في المقابل تبادله دول المبادرة العربية وينأى بنفسه عن حرب غزة خارج المحور الإيراني.
• سياق مسار أستانا
يحاول نظام الأسد إظهار مزيد من الاستجابة لمسار أستانة كمخرج من الالتزامات التي تفرضها القرارات الدولية المعنية بالانتقال السياسي في البلاد، وفي هذا السياق يحاول النظام مجرد إثبات قدرته في الاستجابة لمتطلبات هذا المسار من حيث عدم التضحية بمصالح إيران وروسيا وتركيا الدول الثلاثة الراعية للمسار, لكنه بنفس الوقت لا يرغب بحمل عبء اللاجئين عن تركيا والأردن ولبنان بدون محفزات اقتصادية مجزية كما يحاول النظام إظهار قدرة على إدارة ملف شرق الفرات بما يطمئن الهواجس التركية فضلا عن صون مصالح ونفوذ إيران وروسيا في البلاد، مستخدماً أسلوب الابتزاز عبر تلويحه بالمضي قدماً ضمن المحور العربي والاستجابة لمطالبه والاستناد لشرعيته القانونية في مقابل تبعية وفد المعارضة بالتالي حاجة الدول الضامنة إليه، ويحتاج من أجل ذلك إلى تمتين حضوره الأمني الداخلي والحد من التدخلات في المشهد الأمني لإدارة كل الملفات السياسية عبر الهندسة الأمنية كما هو الأمر في اللجنة الدستورية .
• سياق إعادة إنتاج النظام ومحاولة إفلات الأسد وبقية المنتهكين من العقاب
لايزال التوجه الأوربي العام مصراً على دعم مسارات المحاسبة سواءً محاسبة المنتهكين من خلال الولايات العالمية لبعض المحاكم الأوربية وتوظيف ذلك في ملاحقة المنتهكين من طرف النظام وبقية المنتهكين في مناطق النفوذ والسيطرة في سورية والتي أفضت وماتزال إلى توقيف عدد منهم في أوربا، كما تطل العقوبات الغربية والأمريكية وقانون قيصر الأمريكي برأسها في مواجهة قدرة النظام على التعافي الاقتصادي وتعويم نفسه مالم يقم النظام بإجراء تغييرات على المسار الأمني والسياسي وتتم محاسبة المنتهكين داخله، وهو ما يدفع النظام إلى إجراء تغييرات أمنية وقانونية وعلى مستوى ملف حقوق الإنسان عنوانها الشكلانية حتى الآن ووفق مقارباته وحلفائه لا وفق المعايير الدولية، كما يستفيد من حصانته وعدم صدور مذكرات بحقه باستثناء المذكرة الفرنسية التي تتهمه بالتواطؤ في الهجمات الكيماوية بريف دمشق عام 2013، في تقليم المنظومة الأمنية تدريجياً من العناصر المنتهكة وإعادة تشكيلها بالتزامن مع تغييرات في بنية النظام بالمجمل.
خاتمة

كما تمت الإشارة سابقاً في هذا التقرير فإنه لا مؤشرات لتغيير أمني جوهري حتى الآن يحقق بيئة آمنة لعودة اللاجئين ويخفف من هواجس أصحاب المصلحة الإقليميين والدوليين ولا مؤشرات على التحول بوظيفة المنظومة الأمنية من انتهاك كرامات الناس وتدجينهم لصالح النظام إلى حماية أمن الوطن وصون كرامة وحرية مواطنيه وتحقيق أمنهم المحلي وسلامهم المجتمعي، بل مجرد ابتزاز للداخل عبر تغييرات شكلية تحاصر تجار الحرب وبعض الشخصيات التي طغى ارتباطها الخارجي على ولائها للنظام من دون معالجة لأصل المشكل الأمني الذي يولد وسيولد المزيد من الانتهاكات، حيث يبدو أن بنية النظام لا تسمح بالانتقال إلى تغيير جوهري في البنية الأمنية يشمل الوظائف والأدوار والعلاقات مع المجتمع السوري طالما أن النظام أصر على رفض التغيير السياسي المبني على تحقيق تطلعات حيز كبير من السوريين، أما على المستوى الإقليمي والدولي فإن التغييرات لاتزال شكلية وهو ما يضمن بالحد الأدنى قدرة النظام على المساومة والابتزاز للمحاور والتحالفات الإقليمية والدولية مستنداً إلى حالة اللايقين التي تصبغ التوجهات والسياسات الإقليمية والدولية تجاه الملفات الرئيسية في المنطقة وعلى رأسها الملف السوري، بغية العودة أخيراً للعب دور أمني إقليمي يعيد من خلاله إنتاج نفسه كنظام وظيفي، إلا أنه كما يبدو فإن الزمان قد تجاوز النظام الذي جمدته الحرب عن تطوير أدواته التي طورها غيره ليبدو هو غريباً وبعيداً عن بيئات أمنية متقدمة يحكمها التفوق في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الصنعي والتنقيب عن البيانات وليس فقط تكديس المعلومات والقمع الأمني، كما يظهر أن الدور الأبرز للنظام لم يعد في وظيفته الأمنية بل في قدرته الاستثنائية على تفكيك البنى الاجتماعية وتقويض الحوامل المجتمعية وصولاً إلى مناطق نفوذ مزمنة، متنافرة ومتناقضة تأخذ البلاد نحو التقسيم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى